ابن الجوزي
382
كتاب ذم الهوى
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزّاز ، قال : حدثنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن القاضي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني الأمير أبو الفضل جعفر بن المكتفي باللّه ، قال : كانت بنت بدر مولى المعتضد باللّه زوجة أمير المؤمنين المقتدر باللّه ، فأقامت عنده سنين ، وكان لها مكرما وعليها مفضلا الإفضال العظيم . فتأثّلت حالها ، وانضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة ، وقتل المقتدر ، فأفلتت من النكبة وسلم لها جميع أموالها وذخائرها ، حتى لم يذهب لها شيء ، وخرجت عن الدار فكان يدخل إلى مطبخها حدث يحمل فيه على رأسه يعرف بمحمد بن جعفر ، وكان حركا فنفق على القهرمانة بخدمته فنقلوه إلى أن صار وكيل المطبخ ، وترقّى أمره حتى صار ينظر في ضياعها وعقارها ، وغلب عليها ، فصارت تكلّمه من وراء ستر وخلف باب أو ستارة ، وزاد اختصاصه بها حتى علق بقلبها فاستدعته إلى تزويجها ، فلم يجسر على ذلك ، فجسّرته وبذلت مالا حتى تمّ له ذلك . وقد كانت حاله تأثّلت بها وأعطته لما أرادت ذلك منه أموالا جعلها لنفسه نعمة ظاهرة ، لئلا يمنعها أولياؤها منه بالفقر ، وأنه ليس بكفء ، ثم هادت القضاة بهدايا جليلة حتى زوّجوها منه ، واعترض الأولياء فغالبتهم بالحكم والدراهم . فتمّ له ذلك ولها ، فأقام معها سنين ، ثم ماتت فحصل له من مالها نحو ثلاث مئة ألف دينار ظاهرة وباطنة ، فهو يتقلّب إلى الآن فيها . قال أبي : وقد رأيت أنا هذا الرجل ، وهو شيخ عاقل شاهد مقبول ، توصّل بالمال إلى أن قبله أبو السائب القاضي حتى أقرّ في يده وقوف الحرة ووصيتها ، لأنها وصّت إليه في أموالها ، وأوقافها ، وهو إلى الآن لا يعرف إلا بزوج الحرّة . وإنما سمّيت الحرة لأجل تزويج المقتدر بها ، وهكذا عادة الخلفاء لغلبة المماليك عليهم ، إذا كانت لهم زوجة قيل : الحرّة . قال الخطيب : قال لنا أبو علي بن شاذان : كان محمد بن جعفر زوج الحرة